القرطبي

249

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قلوبكم فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت ، ونظيره " فأنزل الله سكينته عليه ( 1 ) " أي أنزل عليه ما سكن [ به ( 2 ) ] قلبه . وقيل : أراد أن التابوت كان سبب سكون قلوبهم ، فأينما كانوا سكنوا إليه ولم يفروا من التابوت إدا كان معهم في الحرب . وقال وهب بن منبه : السكينة روح من الله تتكلم ، فكانوا إذا اختلفوا في أمر نطقت ببيان ما يريدون ، وإذا صاحت في الحرب كان الظفر لهم . وقال علي بن أبي طالب : هي ريح هفافة ( 3 ) لها وجه كوجه الانسان . وروى عنه أنه قال : هي ريح خجوج ( 4 ) لها رأسان . وقال مجاهد : حيوان كالهر له جناحان وذنب ولعينيه شعاع ، فإذا نظر إلى الجيش انهزم . وقال ابن عباس : طست من ذهب من الجنة ، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء ، وقال السدى . وقال ابن عطية : والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم ، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك وتأنس به وتقوى . قلت : وفى صحيح مسلم عن البراء قال : كان رجل يقرأ سورة " الكهف " وعنده فرس مربوط بشطنين ( 5 ) فتغشته سحابة فجعلت تدور وتدنو وجعل فرسه ينفر منها ، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال : " تلك السكينة تنزلت للقرآن " . وفى حديث أبي سعيد الخدري : أن أسيد بن الحضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده ( 6 ) الحديث . وفيه : فقال رسوله الله صلى الله عليه وسلم : " تلك الملائكة كانت تستمع لك ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم " خرجه البخاري ومسلم . فأخبر صلى الله عليه وسلم عن نزول السكينة مرة ، ومرة عن نزول الملائكة ، فدل على أن السكينة كانت في تلك الظلة ، وأنها تنزل أبدا مع الملائكة . وفى هذا حجة لمن قال إن السكينة روح أو شئ له روح ، لأنه لا يصح استماع القرآن إلا لمن يعقل ، والله أعلم . قوله تعالى : ( وبقية ) اختلف في البقية على أقوال ، فقيل : عصا موسى وعصا هارون ورضاض ( 7 ) الألواح ، لأنها انكسرت حين ألقاها موسى ، قاله ابن عباس . زاد عكرمة :

--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 148 . ( 2 ) الزيادة من ز . ( 3 ) هفافة : سريعة المرور في هبوبها . ( 4 ) ريح خجوج : شديدة المرور في غير استواء . ( 5 ) الشطن : الحبل ، وجمعه أشطان . ( 6 ) المربد ( بكسر فسكون ففتح ) : الموضع الذي ييبس فيه التمر . ( 7 ) رضاض الشئ ( بضم الراء ) : فتاته .